بقلم الدكتور يوسف عبيدالله خريسات
أسرار الدولة تبقى في الصدور وتمضي مع الرجال إلى القبور وهي قاعدة تستقيم بها الدولة حين يعلو وعي رجالها وتترسخ مسؤوليتهم في المدى المتاح للحديث
ونحن في زمن تتعدد فيه منصات البودكاست ويتضاعف فيه حضور الخطاب السياسي العلني يخرج علينا بين الحين والآخر بعض من غادروا مواقع المسؤولية ليعيدوا رواية ما كان داخل الدائرة الحكومية فيتحول جزء من التجربة السياسية إلى سرد شخصي مفتوح غير منضبط في بعض الأحيان
الإشكال في هذا المقام لا يرتبط بالقول والبوح والكشف وإنما في انتقال المعرفة الوظيفية من سياقها المؤسسي إلى فضاء عام لا يخضع للضوابط ذاتها التي كانت تحاط بها المعلومة سابقا فالمسؤول يُعرف بما أنجزه داخل موقعه وليس بما يعاد تقديمه بعد مغادرته لموقعه في شكل رواية مقصوصة الأحداث
والسرية كما هو معلوم هي تمثل سن الرشد السياسي و عنصر أساسي في انتظام القرار السياسي تحفظ توازنه وتمنع تداوله وإخراجه عن ارتباطه التاريخي وعندما تفصل الوقائع عن سياقها تصبح أكثر عرضة للتأويل ويضعف أثرها في الوعي العام
أما منصات الحوار الحديثة ومنها البودكاست فهي فضاءات للرأي والنقاش لكنها قد تتحول أحيانا إلى منصات لاستعادة تفاصيل مؤسسية خارج سياقها الأصلي وهذا يؤدي إلى الخلط بين التجربة الشخصية وحدودها العامة
والحديث عن القضايا الحساسة حيثما وجدت يفترض أن يبقى ضمن مؤسسات الاختصاص والمساءلة وليس في الفضاءات المفتوحة حفاظا على دقة المعلومة واتزان أثرها
وتبقى قوة الدولة في قدرتها على ضبط المعرفة ضمن سياقها لا في كثرة تداولها وإعلانها ويظل إدراك حدود الكلام جزءا من حكمة الممارسة السياسية قبل وأثناء وبعد المنصب وصدق من قال :
الرجال صناديق مغلقة ومفاتيحها التجارب وتجربة البودكاست مفتاح الاسرار الرجال الذين لا يحتملون هزة السؤال.