نشط صرف رواتب شهر آذار وقرب حلول شهر رمضان الفضيل الأسواق المحلية بمختلف أصنافها على رغم ارتفاع الأسعار الذي طال مختلف السلع وأفقد الناس متعة تسوق الاحتياجات الرمضانية المعتادة، ليجعله تسوقا حذرا يَجهَد للموازنة بين الاحتياجات والقدرة الإنفاقية.
وأشار عاملون في مولات ومحلات تجارية أن الحركة التجارية نشطت خلال الأيام الأخيرة التي وافقت صرف الرواتب، غير أنهم لاحظوا أنها «لم تكن بالمستوى المأمول والمعتاد قبيل مواسم رمضان».
بدورهم، يشير مواطنون إلى أن رمضان هذا العام مختلف بالنسبة إليهم نظرا للارتفاعات الكبيرة في أسعار مختلف السلع والأساسية تحديدا، مشيرين إلى أنهم سيتبعون نمطا استهلاكيا جديدا محفوفا بالحذر.
المواطن مصطفى محمد، وهو موظف في القطاع الخاص، بين، في حديث إلى «الرأي»، أنه قرر التجهيز للشهر الفضيل عبر شراء المستلزمات كل أسبوع وليس كما اعتاد في الأعوام السابقة بشرائها دفعة واحدة.
هذا الإجراء، بتقديره، يضبط إنفاقه بشكل أفضل ويسهم بترشيد الإنفاق.
وبين عبدالله ابراهيم المدير التجاري لأحد المولات التجارية، أن الحركة التجارية شهدت نشاطا أفضل منذ ثلاثة أيام تزامنا مع صرف الرواتب لشهر آذار.
وأشار إلى أن الاستعداد لاستقبال موسم الشهر الفضيل بدأ منذ عشرة أيام، إلا أن الحركة التجارية «لم تكن بالمستوى المأمول». وعزا ذلك إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين.
وفيما أكد أن المواد التموينية متوافرة، لاحظ إبراهيم شحّاً في الزيوت، أرجعه إلى ارتفاع الأسعار عالميا، وتوقف بعض الدول مثل مصر وتركيا وأوكرانيا وروسيا عن تصدير زيت عبّاد الشمس وزيت الذرة. غير أنه أشار إلى وجود بدائل جيدة مثل زيت الصويا وزيت النخيل.
ولفت إلى أن تعديل قرار وزارة الصناعة والتجارة والتموين الخاص بوضع سقوف سعرية لمادة الزيت، من خلال استثناء زيتي عبّاد الشمس والذرة من السياسة السعرية، أسهم بإعادة تنشيط حركة الاستيراد، خصوصا وأن ارتفاع الأسعار شأن عالمي ولا يد للتجار فيه.
وأكّد توجه الكثير من المولات والتجار لإجراء عروض وتخفيضات تشجيعية على مختلف أصناف المواد الغذائية، وبخاصة التي يزداد الطلب عليها في شهر رمضان المبارك.
وبين أن أصنافا تشهد ارتفاعا في الأسعار ومنها الرز والزيوت النباتية واللحوم والدواجن وبيض المائدة.
«حماية المستهلك» تدعو لمقاطعة المنتجات مرتفعة الأسعار وكانت الجمعية الوطنية لحماية المستهلك حضت المواطنين على التوقف عن شراء السلع مرتفعة الثمن والبحث عن بدائل ذات سعر منخفض وشراء ما تحتاجه الأسر وفقا للضرورات.
ودعا رئيس الجمعية الدكتور محمد عبيدات المستهلكين إلى الإحجام عن شراء كميات كبيرة من السلع «لأنها متوافرة وبكميات كافية في الأسواق».
ونبه إلى أن التدافع على شراء السلع يرفع أسعارها من بعض التجار، وبخاصة تلك التي يقصر استيرادها على عدد محدود منهم، ما يفتح المجال لاحتكارها بُغية رفع أسعار بيعها بحجج واهية مثل الحروب وارتفاع كلف الشحن والنقل.
وقال عبيدات إن حالة الفوضى التي تشهدها الأسواق هذه الأيام «تدعو للقلق والخوف» بسبب الارتفاعات المتكررة و«المبرمجة» على بعض السلع «بذرائع غير مقنعة من قبل بعض التجار».
وبين أن المغالاة في الأسعار تفوق الارتفاعات العالمية للسلع؛ كما أن المخزون الغذائي متوافر ويكفي لمدة من أربعة إلى عشرة شهور؛ وأكد أن المستوردات المتعاقد عليها هي وفقا للأسعار القديمة.
التوجه لإيجاد نمط ترشيد استهلاكي حازم وينبه الخبير الاقتصادي حسام عايش إلى أن المواطنين أمام موجة كبيرة من ارتفاع الأسعار، وهو، برأيه، ما يستدعي أن يكونوا أكثر حرصا في التسوق وآلية إنفاق الدخل.
ويرى عايش أن هذه الارتفاعات تستدعي مبادرات كالشراء أسبوعيا أو جماعيا أو في أوقات مناسبة «مثلا أن لا يتسوق الإنسان وهو صائم لأنه قد يشتري كميات فوق حاجته».
ويحض عايش المواطنين على أن «يوازنوا بين المتطلبات والاحتياجيات وبين الاستهلاك والقدرة الانفاقية»؛ ويشدد على أنه آن الأوان ليكون الإنفاق الاستهلاكي ذكيا ومفيدا لتقليل الهدر المالي إلى أدنى المستويات.
ولا ينكر عايش أن شهر رمضان يشكل لدى بعض الأشخاص نمطا استهلاكيا خارجا عن المعقول عبر هدر الطعام والشراب، وهو ما يؤدي إلى «زيادة الطلب في الأسواق وبالتالي إلى ارتفاع إضافي في الأسعار».
ويؤكد أن ترشيد الاستهلاك هو أحد أدوات مواجهة الارتفاعات في الأسعار؛ مستدركا بأن بعض المجتعمات المثقفة اقتصاديا وتجاريا واستهلاكيا تأخذ هذا الأمر بجدية عبر جمعيات المستهلك ومنظمات المجتمع المدني التي توفر المعلومات المتعلقة بترشيد الاستهلاك.
ويتفق عايش مع عبيدات في الحض على مقاطعة أو خفض استهلاك المنتجات التي ترتفع أسعارها لأسباب تتعلق بالجشع والتلاعب والاحتكار عبر التأثير عليها بتقليل الطلب.
ويلفت إلى ضرورة أن يكون المواطن واعيا بحيث يوازن بين قدرته الشرائية ودخله الشهري؛ وبخاصة في ظل ضعف قدرات الحكومة على ضبط الأسعار، مدللا في ذلك على أنه رغم الجولات الرقابية والتفتيشية فإنها لم تستطع ضبط الأسعار ومنع الزيادات فيها ولا تستجيب لشكاوى المستهلكين بما يكفي لردع كل من يتجاوز على قوت المواطن في رفعه للأسعار أو عرض منتجات مخالفة للضوابط الصحية أو ذات جودة منخفضة.
وينبه عايش إلى تعاظم دور وسائل التواصل الاجتماعي في توفير عروض واسعة من الأسعار للسلع والمنتجات في الأسواق بما يتيح للمواطنين إجراء المقارنة ويمنحهم أفضلية الاختيار بما يتلاءم وقدراتهم الشرائية.
ولاحظ أن ارتفاع الأسعار هو على مستوى عالمي؛ والأردن يتأثر بالضرورة بما يحدث عالميا، خصوصا وأنه يعتمد في احتياجات بشكل كبير على الاستيراد؛ إذ يستورد ما يقارب من 80 إلى 90 بالمئة من احتياجاته وبمشاركة داخلية لا تُجاوز 20 بالمئة من منتجاتها بأفضل الحالات.
ويشدد على ضرورة أن تضطلع الحكومة بدورها الذي يؤثر على قدرة المواطن والأسر الشرائية لمواجهة الارتفاعات في الأسعار عبر اتخاذ عدة إجراءات؛ منها: هيكلة ضريبة المبيعات على السلع الأساسية وتخفيض الضريبة المقطوعة على المشتقات النفطية؛ إضافة لتخفيض الكلف المتعلقة بالمستحقات الحكومية أكان ضريبة المسقفات أو رسوم تخليص السيارات.
ودعا جميع الأسر، والجهات الحكومية إلى بذل الجهود للإيجاد نمط ترشيد استهلاك حازم يضمن شهر صيام آمن ومنطقي في ظل هذه الارتفاعات الكبيرة في الأسعار.
ويستورد الأردن غذاءً بقيمة تقارب 4 مليارات دولار سنويا، جزء منه مواد أولية للصناعة والآخر جاهز للاستهلاك.
ويعتبر قطاع المواد الغذائية من القطاعات التجارية الرئيسة المهمة بالمملكة، ويضم حاليا 14 ألف شركة تتوزع بين المستوردين وتاجر الجملة ومحلات التجزئة، وتوفر نحو 200 ألف وظيفة غالبيتها من الأردنيين. الراي