فتحت قضية الباخرة "سور" وكيفية خروجها من ميناء العقبة الباب مشرعا أمام العديد من التساؤلات والاستفهامات التي ماتزال ماثلة بدون إجابة، والمتعلقة بإدارة الميناء الوحيد للمملكة الذي يقع ضمن حدود المنطقة الاقتصادية الخاصة.
ويرى مطلعون في أحاديث لـ"الغد" أن قضية الباخرة سور واحدة من مجموعة قضايا تعكس "تخبطا" كبيرا في الميناء يعود إلى تعدد المرجعيات وتشتتها بين سلطة العقبة الاقتصادية وشركة تطوير العقبة التي تدخل بشراكة في معظم الشركات التي تنفذ مشاريع استراتيجية في العقبة وبين مؤسسة الموانئ والجمارك وغيرها، وهو ما ذهب إليه تقرير لجنة تقصي الحقائق الحكومي حول مغادرة الباخرة، الذي أشار الى "تداخل في الصلاحيات بين مؤسسة الموانئ وشركة ميناء العقبة للخدمات البحرية والسلطة البحرية الأردنية، ما قد ينتج عنه بعض الفجوات في العمل المينائي".
وتشير معلومات إلى أن هناك أعمالا ونشاطات تجارية بدأت تتواجد في العقبة بدون أن تكون هناك أي رقابة عليها؛ حيث يؤكد مطلعون على ملف الميناء أن هناك شركات تمارس أعمالا في النقل البحري بدون رقابة أو وصاية؛ إذ أكد تقرير لجنة التحقيق الحكومية أيضا أن المؤسسة المسؤولة عن الباخرة سور "الديرة" قامت بمعاملات مشابهة في السابق، من حيث إحضار ذرة تالفة وغير مطابقة للمواصفات، ما أدى إلى الإساءة لسمعة ميناء العقبة وعمليات النقل البحري فيه، كما أدى إلى الإساءة لسمعة المملكة الأردنية الهاشمية.
ويتزامن ذلك مع تأكيد مصادر مسؤولة أن حادثة هروب الباخرة سور لم تكن الأولى وأن هناك حالات سابقة لبواخر كانت قد غادرت المياه الإقليمية تحمل على متنها مواد فاسدة، كما أن هناك قضايا سابقة مماثلة لبواخر حملت "الذرة" للمستورد الأردني ذاته.
فقضية "سور" كانت نسخة مكررة عن قصتين سابقتين لباخرتين حملتا بضاعة فاسدة للمستورد ذاته العام 2008؛ وهي "كرم شكلار" و"هيلينا".
ورافق قضية "سور" في الفترة ذاتها دخول بضاعة من الذرة الصفراء لمستورد آخر، استطاع إدخالها بعد أن تمت "معالجة بضاعته وتبخيرها"، وفق وثائق حصلت "الغد" على نسخة منها.
وتقول مصادر مينائية "إن باخرة أخرى محملة ببضائع زراعية خرجت قبل شهرين بالطريقة ذاتها التي خرجت فيها الباخرة سور"، بدون أن يكون هناك أي تحقيق حول تلك الباخرة.
ويعتقد خبراء في مجال النقل البحري أن المشكلة الأساسية في قصة "سور" وغيرها، هي عدم تطبيق دائرة الجمارك للقانون، لاسيما المادة 75 التي تمنح مدير دائرة الجمارك الحق في إتلاف البضاعة على حساب صاحبها، كما يعطيه، وفقا للمادة 206 من القانون، معاقبة صاحب البضاعة "من ثلاثة أمثال القيمة إلى ستة أمثال القيمة عن البضائع الممنوعة"؛ بحيث تعد البضاعة مهربة وفقا للقانون، خصوصا بعد خروجها بدون إبلاغ الجمارك.
كما ذهب آخرون الى أن المشكلة تنصب في إيلاء مهمة الإرشاد والتوجيه والقطر إلى شركة خاصة، في الوقت الذي تعد فيه هذه المهمة خطيرة وتمس بأمن الدولة.
قصة الباخرة سور
تتلخص قصة "سور" في أنّ مستوردا أردنيا، يدعى فضل بلبل، وهو صاحب شركة الديرة التجارية، قام باستيراد كمية من الذرة من الهند في منتصف العام الحالي، وقبل وصول الباخرة "سور" لميناء العقبة بعدد من الأيام، باشر صاحب البضاعة بفتح معاملة جمركية للتخليص على البضائع؛ بحيث عندما تصل الباخرة إلى العقبة، تكون إجراءات المعاملة الجمركية قد استكملت.
وتشير المعلومات الى أنّ المعاملة الجمركية كانت قد استكملت مع وصول الباخرة، إلا أنّ ما وقف في طريق إدخال البضاعة هو الموافقة الصحية التي تصدر عادة عن دائرة الرقابة الصحية في وزارة الزراعة، التي تقوم بمعاينة البضاعة، وبالفعل تمت المعاينة على حمولة الذرة، ولدى معاينتها تبين أنها تحتوي على أعفان وحشرات، الأمر الذي منع سلطات الميناء من الموافقة على تفريغ الحمولة؛ حيث إن السلطات الجمركية لا تعلق شرط استكمال المعاملة الجمركية على شرط آخر هو "الموافقة الصحية".
وهنا وبناء على أنّ القانون الأردني يمنح السلطات الجمركية صلاحية "إلزام" صاحب البضاعة بإعادة تصديرها، وفعلا قامت الجهات الحكومية بالطلب من صاحب البضاعة بإعادة تصديرها، إلا أن صاحب البضاعة (المستورد الأردني) قام بدلا من ذلك بمحاولة الحجز قضائيا على الباخرة لدى محكمة بداية العقبة بدلا من إعادة تصدير البضاعة "المخلص عليها قبل وصولها".
وتشير مصادر مينائية إلى أنه عندما يتم رفض البضاعة من الناحية الصحية، وبعد أن يكون قد خلّص عليها جمركيا، يصبح أمر إعادة تصديرها بيد المستورد الذي استوردها؛ بحيث لو رغب بإعادة تصديرها فله الخيار ولا يمكن إرغامه على ذلك، وبإمكانه الحجز عليها بذريعة أنه وقع ضحية لبضاعة فاسدة.
لكن المحكمة لم تجز "إيقاع الحجز"، الأمر الذي أبقى الباخرة في وضعية تعليق بين مراوحة الجهات الرسمية في العقبة والشركة المستوردة؛ حيث لا الجهات الرسمية ولا الشركة المستوردة اتخذت أي إجراء تجاه هذه الباخرة التي استقرت في الميناء لما يزيد على 4 أشهر، كان المستورد خلالها يحاول استئناف وتمييز قرار محكمة بداية العقبة التي قضت بعدم الحجز على الباخرة.
وأمام هذا الوضع؛ وهو استمرار اصطفاف الباخرة في الميناء مع تراكم الخسائر على صاحب الباخرة، قرر صاحب الباخرة مغادرة الميناء بعد توقف في العقبة دام لحوالي 4 أشهر.
وتذكر مصادر أنّ "سور" كانت قد "أخطرت خفر السواحل مسبقا بأنها ستتحرك من مكانها، وأنه سيتم فك مرساتها، كما كانت قبل يومين من مغادرتها قد طلبت من السلطات تزويدها بالوقود بحجة التدفئة".
وقالت المصادر "إنّ الإبلاغ من قبل السفينة كان على أساس تحريكها قليلا من مكانها، فيما لم يتم إلزام الباخرة من قبل السلطات بالاصطفاف في مكان يسهل السيطرة عليها فيه"، لافتا إلى أن "الخطأ الذي وقعت فيه السلطات هو أنّها زودت الباخرة بكميات وقود (كبيرة) وليس حسب حاجتها للتدفئة، ما سهل المغادرة!".
وكانت المصادر قد أكدت أيضا أنّه لم يكن هناك ما يمنع مغادرة "سور"، بما أنها ليس عليها أمر حجز قضائي، ما يعني أن السلطات الأردنية لم تكن تستطيع ملاحقتها في البحر؛ إذ لا يمكن ملاحقة الباخرة حتى دوليا بما أنه ليس هناك أمر قضائي بحجزها.
وبينت المصادر أنّ مسؤولية خروج أي باخرة أو دخولها من المياه الإقليمية وإليها، تقع على عاتق كل من السلطة البحرية الأردنية وخفر السواحل بالدرجة الأولى.
وكان خبراء بحريون أكدوا أنّ الباخرة، التي تحمل العلم الليبيري، من السهل أن تستصدر شهادات (بدل فاقد) بديلة من الدولة التي تسجل فيها الباخرة.
تقرير لجنة التحقيق في قضية سور
وذهب تقرير لجنة تقصي الحقائق حول سور الى تحميل السلطة البحرية مسؤولية مغادرة الباخرة ويبرئ دائرة الجمارك، مؤكدا وجود تقصير في عمل العديد من الجهات ذات العلاقة.
وعزت اللجنة أسباب التقصير إلى وجود نوع من "تداخل الصلاحيات"، بين الشركة ومؤسسة الموانئ والسلطة البحرية الأردنية.
وأشارت الى عدم تمتع مؤسسة الموانئ الحالية بصلاحيات التحكم بحركة البواخر، سوى بوضعها على جدول حركات البواخر الصادر عن دائرة العمليات في المؤسسة، محملة جزءا من المسؤولية لشركة العقبة للخدمات البحرية كونها مسؤولة عن الحركات المينائية كافة داخل المياه الإقليمية.
ورغم إخلاء اللجنة مسؤولية الجمارك عن حادثة الباخرة سور "بهذه الطريقة"، غير أن عدم تطبيق الجمارك لصلاحياتها المخولة لها بالقانون، من حيث إجبار مالك الباخرة على تنظيم بيان جمركي أصولي عن طريق ممارسة صلاحياتها بإتلاف البضاعة، دفع إلى بقاء الباخرة لمدة طويلة بدون أن يكون عليها أي حجز قانوني، وكان بالإمكان تفعيل الصلاحيات الممنوحة لمدير الجمارك بموجب قانونها، لاسيما المادة 75 (ج) منه، لافتا إلى أن هناك مخاطبات لمدير عام الجمارك تطلب منه ممارسة صلاحياته المخولة له بقانون الجمارك.
قصة الباخرة "كرم شاكلار"
تروي مصادر أنّ هناك قصة مماثلة لبضاعة استوردها التاجر ذاته، وهي أيضا ذرة من الهند العام 2008، ولم يستطع إدخالها الى الأردن، وقام بإعادة تصديرها إلى لبنان، ومن ثم وبعد رفضها من لبنان، تم تصديرها الى تركيا؛ حيث إنه في حال رفض أي بضاعة في أي دولة عربية يتم رفضها من الدول العربية كافة.
وتؤكد المصادر أنّ تلك الشركة المستوردة كانت استصدرت شهادة صحية من وزارة الزراعة تشهد بها على صلاحية الذرة التي كانت قد قامت هي نفسها برفضها؛ حيث "قامت باستصدار شهادة صحية لبضائع كانت هي قد قدرت رفضها، ثم قامت باستصدار تلك الشهادة بعد أن كانت الباخرة قد غادرت العقبة".
وتقول المصادر إنّ الشركة كانت استصدرت أيضا شهادة منشأ من غرفة تجارة الأردن لإعادة تصدير البضاعة، وذلك بعد خروج البضاعة بأشهر من العقبة.
وكانت الديرة طالبت آنذاك صاحب الباخرة بتعويضه عن البضاعة، إلا أنّه تم التوصل الى "تسوية" آنذاك لحل القضية.
قصة الباخرة "هالينا"
تشير المعلومات في قصة الباخرة "هالينا"، الى أنّ مؤسسة الديرة التجارية، كانت قد نقلت من الهند على متن الباخرة "هالينا" التي ترفع العلم البنمي شحنة من الذرة بحجم 19 ألف طن.
وتشير وثائق، حصلت "الغد" عليها، إلى أنّ "هالينا" كانت قد تعرضت لظروف مماثلة لظروف الباخرة "سور"؛ حيث توقفت في الميناء مدة تزيد على 5 أشهر تم خلالها السماح للتاجر بتفريغ 19 ألف طن من البضاعة وإخراجها الى عمان وإبقاء 5.200 ألف في الباخرة، لتقوم المؤسسة فيما بعد (صاحب البضاعة) بطلب تعويض قدره 1.859 مليون دولار من صاحب الباخرة، بحجة أن ما تبقى من الذرة (خمسة آلاف طن) تعرض للضرر.
وتكشف الوثائق أنّ الجزء الذي تم إدخاله من البضاعة كانت قد تمت معالجته وتهويته وعمل اللازم له وقد تم بيعه بسعر مخفض؛ حيث إن البضاعة المعالجة كان من السهل ملاحظة الأضرار التي تعرضت لها من ناحية اللون والرائحة والقيمة الغذائية.
وتؤكد هذه الوثائق "أنّه ولدى وصول الباخرة الى ميناء العقبة، كانت البضاعة قد تعرضت لتلف كلي وجزئي نتيجة الرطوبة والحرارة العالية، الأمر الذي نجم عن تعفن كميات كبيرة من الذرة وتغيير في لونها ورائحتها".
ونتيجة لذلك، قامت المؤسسة بتفريغ ما تستطيع تفريغه من البضاعة ومعالجتها وتهويتها لكيلا يصار الى رفضها بالكامل من قبل وزارة الزراعة، وتم إخطار الشركة المؤمنة خطيا بذلك، والتي كانت قد أرسلت مندوبا عنها للكشف على البضاعة وعمل التقارير المناسبة.
وتقول التقارير إنه عند وصول البضاعة وتحميلها في السيارات الناقلة للبضاعة الى الصوامع التي تعاقدت معها المؤسسة، تبين أنها احتوت على رائحة عفونة قوية وحرارة عالية جدا وتغير في اللون، كما أنها احتوت على نسبة تكتل كبيرة ورطوبة عالية، وعلى نسبة كبيرة من الشوائب والمواد البلاستيكية ومواد أخرى ليست لها علاقة بمادة الذرة المستوردة.
وكانت المؤسسة أنذرت آنذاك الشركة المؤمنة؛ وهي "العربية الألمانية للتأمين" واتهمتها بالتقاعس عن حل مشكلة البضاعة المتبقية في الباخرة، وبالتالي بقاء الباخرة مدة طويلة في ميناء العقبة، ونجمت عن ذلك زيادة الأضرار المادية والمعنوية بمؤسسة الديرة.
وكانت الديرة أقامت دعوة قضائية لمطالبة شركة التأمين بـ1.859 مليون دولار بدل أضرار بجزء من الشحنة البالغة 5200 طن ذرة وبدل معالجة الكمية، وهو المبلغ المتعلق بباقي البضاعة المتضررة.
شحنة ذرة لمستورد أردني آخر في أيار
وفي السياق ذاته، تشير وثائق حصلت "الغد" على نسخة منها، إلى أنّ تاجرا آخر وصف بأنه "من أكبر التجار المستوردين للأعلاف"، كان قد استورد ذرة من الهند بحجم 23 ألف طن.
وقد كانت وزارة الزراعة قد وافقت على إدخال البضاعة على أجزاء (الأول حوالي 17 ألف طن)؛ حيث تشير تقارير وزارة الزراعة الى إمكانية إدخالها كونها مطابقة للمواصفات، فيما لم تسمح بإدخال الجزء الثاني (6 آلاف طن) من البضاعة ذاتها لاحتوائها على أعفان وحبوب منخورة وسموم الافلاتوكسين بنسب أعلى من المسموح بها، وبذلك تخالف المواصفات القياسية الأردنية، وأوصت الوزارة بإعادة تصدير المادة المذكورة وعدم السماح بإدخالها الى السوق المحلية. وتذكر الوثائق أنّ الـ6 آلاف طن كان قد تم تبخيرها.
الباخرة بيلا
ولا ننسى هنا قصة الباخرة بيلا المملوكة لشركة الجسر العربي، والتي غرقت بداية الشهر الحالي بعد تعرضها لحريق أثناء توجهها برحلة اعتيادية من العقبة الى نويبع؛ حيث لم تصدر حتى الآن عن الجهات الرسمية أي تصريحات عن نتائج التحقيقات حول أسباب الحريق الذي اندلع في الباخرة.
كما لم يصدر أي توضيح عن اتهامات الصحافة المصرية التي وجهت للشركة التي تسهم فيها 3 حكومات؛ هي الأردن ومصر والعراق، والتي أفادت أنّ الشركة "تعمدت" إغراق السفينة لإخفاء أسباب الحريق الذي اندلع في الباخرة التي يقدر ثمنها بملايين الدنانير.
شركة لغسيل البضائع القادمة من العراق
تؤكد مصادر مينائية لـ"الغد"، أنّ هناك أنشطة جديدة بدأت تظهر في العقبة بدون أن يكون هناك رقيب أو حسيب عليها، ومن ضمنها تلك الشركة التي افتتحت مؤخرا في العقبة؛ مهمتها تعقيم وغسل البضائع القادمة من العراق مرورا بالأردن، والتي سيعاد تصديرها الى الولايات المتحدة.
وتقول المصادر إنّ هذه الشركة مهمتها غسيل ما يأتي من العراق باتجاه الولايات المتحدة؛ إذ تشترط الولايات المتحدة ذلك على البواخر القادمة من العراق، مشيرة الى أنّ "هذا العمل مقابل مبالغ مرتفعة جدا"، وأنّ مثل هذه الشركة تمارس أعمالا بحرية بدون أن تكون عليها رقابة حكومية.
تضارب في السلطات
الخبير ومدير مؤسسة الموانئ الأسبق، الدكتور دريد محاسنة، يرى أنّ تضارب المهام والسلطات هو ما أدى الى عدم وجود قرار قطعي تجاه الباخرة سور، ويرى "أنّ تعدد المرجعيات في العقبة وعدم وجود تنسيق بينها هما ما أديا الى ذلك".
ويضيف محاسنة أنّ السلطة البحرية ومؤسسة الموانئ وشركة تطوير العقبة وسلطة العقبة الخاصة وميناء الحاويات وشركة القطر، كل واحدة لها إدارة مستقلة عن الباقي وليس بينها أي تنسيق، مضيفا أنّ هناك أيضا مشكلة في الجمارك من حيث أنّ هناك ساحات خاصة للمنطقة الخاصة وساحات لباقي المملكة.
ويوصي محاسنة بضرورة توحيد الإدارات تحت سلطة أو إدارة واحدة، وهذا ما كان في الماضي؛ حيث إنّ مؤسسة الموانئ كانت هي المسؤولة عن حركة السفن وإدخال أو إخراج البضائع وغيرها.
ويوضح أنّ السلطة البحرية تتبع لوزارة النقل، فيما مؤسسة الموانئ تتبع لسلطة العقبة، وكل واحدة تتبع لقانون مختلف ومسؤولية مختلفة.
وقال إن سلطة العقبة الخاصة وشركة تطوير العقبة تقومان بعمل مؤثر وفاعل، إلا أن هناك تشابك خطوط كثيرة بينهما.
ويصف محاسنة أنّ ما حدث في قضية الباخرة سور هو حلقة صغيرة لمسلسل أكبر من التعاملات ضمن هذه المنطقة، مضيفا أنّ القطاع الخاص يشتكي دائما من التجاوزات في العقبة ومن المعاملات ومن تغير الإدارات بشكل سريع ومستمر.
ويقر محاسنة أنّ هناك مشكلة في عدم وجود محكمة متخصصة بالقضايا البحرية تنظر في قضايا البواخر بشكل سريع ومتخصص، ما يؤدي عادة الى الوصول الى مثل هذه القضايا.
وكان محاسنة انتقد، في وقت سابق، ضعف الرقابة لدى السلطة البحرية.
ويعود محاسنة ليؤكد أنّ العقبة لم تستعد بعد لحجم البضائع المتوقع قدومه الى الميناء، خصوصا مع تأزم الأوضاع في سورية؛ حيث إنّ هناك توقعات بزيادة حجم البضائع القادمة الى العقبة بدلا من سورية؛ إذ إن هناك توجها من التجار لاستبدال الموانئ السورية في العقبة، في الوقت الذي لم تتخذ فيه السلطات في العقبة أي إجراءات لتكون مستعدة لهذا الحجم من البضائع.
كما أنه ليست هناك خطة طوارئ لمواجهة أي زيادة في عمليات النقل البحري من وإلى العقبة.
عدم تطبيق المادة 75 من قانون الجمارك
يرى المحامي غسان معمّر، أنّ معالجة الدولة لموضوع الباخرة سور وغيرها، تؤكد أنّ ثمة خللا خطيرا ليس في حادثة هروب باخرة من العقبة بحد ذاتها، بل في كيفية سعي السلطات الرسمية في الأردن إلى التغطية على ما هو أخطر بكثير، والذي يتمثل في عدم التحقيق مع الجهات الرسمية التي سمحت بالإساءة لميناء العقبة وسمعته من خلال التغاضي عن تطبيق القوانين الجمركية الصحيحة بحق المستوردين المخالفين من التجار.
وأضاف "لقد تكرر هذا الإهمال والتغاضي غير المبرر من قبل دائرة الجمارك وبقية السلطات على هذا النمط السلوكي من بعض التجار الذين باتوا يتقنون فكرة استدراج بواخر الى ميناء العقبة للحجز عليها تحت مبررات أنّ عليها بضائع فاسدة ليصار الى الترتيب مع أصحاب البواخر لتحميل العطل والضرر لنوادي الحماية العالمية التي تؤمن على تلك البواخر".
والمؤسف أنّ هذا النمط من الصفقات التجارية حصل أكثر من مرة بالطريقة ذاتها؛ بحيث أنّ "سور" لم تختلف عن سابقتها إلا فقط أنّ محكمة بداية العقبة قامت، مشكورة، بعدم الاستجابة لطلب الحجز على الباخرة، وبذلك فوتت الفرصة على المستفيدين من عمليات الحجز لاستغلال ذلك في تحقيق مآرب أخرى تتمثل في فرض حالة على أندية الحماية العالمية تلزمهم بتعويض صاحب الباخرة عن المسؤولية التي تلحق بباخرته بفعل حالة الحجز.
وأضاف أنّ قانون الجمارك الأردني يعطي مدير الجمارك صلاحية في حال وجود بضائع مخالفة للقوانين الأردنية بأن يلزم صاحب البضاعة بإخراج بضاعته من الأراضي الأردنية أو المياه الإقليمية تحت طائلة إتلافها على حسابه.
وقال إنه، وفي العام 2008، كانت هناك بضاعة على باخرة "كرم شاكلار"، والتي رُفضت من قبل وزارة الزراعة، وقام صاحب البضاعة بالحجز على صاحب الباخرة، إلا أنّ مدير جمرك العقبة امتنع، بدون أدنى أي مبرر، عن استعمال صلاحياته لحق المستورد بإتلاف البضاعة على حسابه، وترك الباخرة عالقة لمدة عام، رافضا استعمال هذه الصلاحيات، رغم أنّ بإمكانه أن يعطي رسالة واضحة لكل تاجر مخالف أنّه ثمة إجراءات ستتخذ بحقه، وبالتالي لن يستطيع الاستخفاف بلزوم أن تكون بضائعه فعليا مطابقة للقوانين الأردنية من ناحية أخرى.
وأضاف "أنّه عندما يتم إتلاف البضاعة، ففي ذلك إيراد للخزينة؛ لأنّ هذا الإتلاف سيكون مقابل رسوم وأتعاب وأجور، فلو علمنا أن الباخرة "كرم شاكلار" كانت تحمل 24 ألف طن، فسيدفع بدل إتلاف 26 دينارا على كل طن، ناهيك عن بدل مناولة التفريغ".
وبين أنّ القانون أيضا كان يعطي للجمارك حقوقا أخرى وفقا للمواد 204 و206 و207 و211، والتي من شأنها أن تدخل الى الخزينة مبالغ كبيرة.
وقال إنه اذا ما تم حساب كلفة تفريغ الحمولة ونقلها الى موقع الإتلاف وعملية الإتلاف، فإنّ هذه الكلفة لن تقل عن مليون دينار تستفيد منها كل الأطراف المعنية من مؤسسة الموانئ أو شركات التخليص الجمركي أو وكلاء الشحن أو مؤسسة الموانئ وشركات التخليص بكمية من هذا الحجم خسرها على الاقتصاد الأردني، وكذلك الشأن مع ما حصل مع الباخرة سور التي كانت تحمل 17.5 ألف طن؛ حيث كان على الأقل سيتم تغريم صاحب البضاعة على إتلافها بحوالي نصف مليون دينار.
وألمح معمر إلى أنّ دائرة الجمارك تجاهلت أيضا نص المادة 75 من القانون، الذي إما أن يطبق بحرفيته بحيث يصرف معنى هذه المادة بأن هناك بضائع باتت بحكم الجمركة رغم أنها لم تحظ بالموافقات المطلوبة بعد، وبالتالي يصبح النص على إعادة التصدير ويصبح الإتلاف ملزما ووجوبيا لمدير الجمرك والمستورد أو أنه يصرف معنى هذه المادة ويعاد تصحيحها؛ بحيث لا تعد البضائع مجمركة ما لم تستكمل المعاملات المطلوبة كافة، متسائلا كيف يتم التعاطي مع هذه البضائع على أنها مجمركة في وقت أنّ هناك موافقات رسمية لم تحصل عليها دائرة الجمارك؟، بل إنّ البضاعة عندما تكون في المياه الإقليمية تفتح معاملة جمركية، علما أنه ليس هناك إثبات فعلي لفتح المعاملة الجمركية.
وتنص الفقرة (ج) من المادة 75 من قانون الجمارك على أنه "يحق للمدير إتلاف البضائع التي يثبت من التحليل أو المعاينة أنها مضرة أو غير مطابقة للمواصفات المعتمدة، وذلك على نفقة أصحابها وبحضورهم أو بحضور ممثليهم، ولهم إذا شاءوا أن يعيدوا تصديرها خلال مهلة يحددها المدير، وفي حالة تخلفهم عن الحضور أو إعادة التصدير بعد إخطارهم خطيا حسب الأصول المعتمدة، تتم عملية الإتلاف على نفقتهم ويحرر بذلك المحضر اللازم".
وأضاف أنه اذا كان سبب فتح ملف جمركي هو التسريع في العملية الجمركية، فإنّ هذا يتناقض مع ترك الباخرة ما يزيد على 4 أشهر بدون معالجة حالتها وفرض تطبيقه المادة 75 على أطراف المعاملة، منتقدا الإجراء الجمركي بفتح ملف جمركي قبل وصول البضاعة.
وأشار الى أنّ التحقيق كان لا بدّ أن يكون في أسباب مغادرة الباخرة لأنّ أسباب تركها أو مغادرتها بدون معالجة يصبح متوقعا، فلا يعقل أن تبقى باخرة بهذا الحجم بدون تشغيل لفترة طويلة لأن السلطات في الأردن شاءت أن لا تستخدم سلطاتها التي منحها لها القانون، وبالتالي لا بدّ من اتخاذ قرار من قبل أصحاب الباخرة رغم أنّ فيه انتهاك للقوانين من خلال إخراج بضائع بدون التصريح عنها.
وأضاف أن المخالفة القانونية في هذه الحالات هي أشد وأكبر من قبل الجهات الرسمية التي تؤهل الظروف المناسبة لخلق حالة يصبح معها التاجر صاحب الباخرة أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يرضخ ويذعن لحالة التعليق هذه غير القانونية بدون قيام أحد بتعويضه عن خسائره الفادحة التي يتكبدها أو يأخذ قرارا مخالفا بمغادرة الميناء بدون أخذ موافقة السلطات على ذلك.
ووصف ما حدث بأن المسؤولين في العقبة "أبرأوا ذمتهم من واجب تطبيق المادة 75 على هذه الشحنة"، وبالتالي كان "هروب الباخرة إنقاذا لمسؤولي العقبة من واجب تطبيق المادة 75 من القانون".
إلى ذلك، يرى معمر أن السلطات في العقبة كانت قد تخلت عن صلاحيات تمس سيادة الدولة، وذلك بإدخالها القطاع الخاص لعمليات القطر والإرشاد، والتي تعد عملية بحرية خطيرة.
الغد