أنعشت الإجراءات المشددة التي تتبعها البنوك السعودية في منح القروض الشخصية للأفراد سوق "القروض السوداء" التي تمارسها بعض شركات تحصيل الديون في السوق السعودية، حيث يضطر المئات من المحتاجين لقرض عاجل ولا تتوافر فيهم شروط "الجدارة الائتمانية" للحصول عليه من أحد البنوك إلى طرق أبواب تلك الشركات للحصول على القرض مقابل فوائد تصل أحيانا إلى 60%.
وتشترط هذه الشركات على طالبي القروض، وغالبيتهم لا يملكون عملا دائما، التوقيع على شيكات بنكية محددة بها موعد الاستحقاق، إلى جانب أوراق ثبوتية توثق محل الإقامة ومكان العمل غير الدائم، بالإضافة إلى كفيل ضامن يلتزم بالسداد حال تعثر المقترض عن السداد في موعد الاستحقاق، وتعطى الأفضلية للكفيل الضامن إذا كان موظفا حكوميا أو له قرابة نسب للمقترض.
ورصدت "العربية.نت" خلال جولة ميدانية بسوق "الديرة" بالرياض وجود عشرات المكاتب والشركات التي تمارس عملية "القروض السوداء"، حيث تبين أن هذه الشركات نشأت في الأصل بترخيص من وزارة التجارة والصناعة لتحصيل الديون المتعثرة على الأفراد لصالح البنوك مقابل عمولة، لكنها تحولت تدريجيا إلى ممارسة نشاط الإقراض للمضطرين والغير مسموح لهم بالاقتراض من البنوك.
واللافت للنظر أن بعض المسؤولين بتلك الشركات، وعند سؤالهم عن مدى رضاهم عن عملهم في ظل تحريم الشريعة الإسلامية المعاملات الربوية واستغلال حاجة المضطر وإقراضه بفوائد عالية جدا، رفضوا تصنيف عملهم على أنه ممارسة جديدة لما يسمى "ربا الجاهلية الأولى" رغم استغلالهم المرضى الفقراء الذين في حاجة لعمليات طبية عاجلة، وكذلك من يريدون تجهيز بناتهم للزواج في ظروف عاجلة.
ويزعم هؤلاء أنهم يمارسون عملا تجاريا حلالا، ويتفنن بعضهم في توسيط "سلع عينية" ظنا أن ذلك يتوافق مع مبادئ الصيرفة الإسلامية رغم أن تكلفة تحويل السلعة لأوراق نقدية يضاعف تكلفة القرض، فيما أرجع بعض طالبي القروض للجوء إلى تلك السوق البديلة إلى حاجتهم الماسة جدا للقرض وعدم وجود فرصة للاقتراض من البنوك.
وحول أبعاد تنامي ظاهرة سوق القروض السوداء في مجتمع متدين كالمجتمع السعودي، ومدى ارتباطها بتزايد حالات التعثر لأصحاب الديون الشخصية من البنوك، قال الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للمعلومات الائتمانية "سمة" نبيل المبارك لـ"العربية.نت" إن هذه الشركات في حاجة إلى إعادة هيكلة عاجلة لنشاطها التجاري، واصفا بعضها بالخروج عن أخلاقيات الممارسة التجارية السليمة والمحددة من قبل وزارة التجارة والصناعة، ورفض لجوء البعض إلى استخدام "مصطلحات شرعية" كغطاء لتمرير أعمال مشينة واستغلال حاجة المواطنين المتعثرين عن السداد.
وأكد أن أخلاقيات الصيرفة الإسلامية ترفض بكل المقاييس استغلال حاجة متعثر أو مضطر ومنحه قرضا بفائدة تزيد أحيانا عن 60% من قيمة القرض.
وكشف المبارك عن وجود دراسات وتوصيات جادة من مؤسسات مصرفية وأكاديمية لإعادة النظر في نشاط شركات تحصيل الديون، وتهذيب أنشطتها بما يتوافق مع نصوص قانونية واضحة.
وقدر عدد تلك الشركات بـ380 شركة، مشيرا إلى أن "معظمها ملتزم بأصول ممارسة النشاط بطريقة قانونية لكن هناك بعض "الدكاكين" التي تمارس نشاط الإقراض بفوائد تزيد عن نصف قيمة القرض".
واستبعد المبارك أن تكون إجراءات منح القروض "المتشددة" في البنوك السعودية وراء انتشار سوق الإقراض البديلة، مشيرا إلى أن تلك الشروط متوافقة مع اشتراطات "بازل" لمنح القروض.
وأوضح أن مؤسسة النقد السعودي وضعت قبل 5 سنوات ضوابط للتمويل الاستهلاكي تضمنت ألا تتجاوز الأقساط الشهرية الإجمالية للمقترض ثلث صافي راتبه الشهري وألا تتجاوز فترة استحقاق القروض الاستهلاكية أكثر من خمسة أعوام باستثناء القروض العقارية.
وعن نسبة المتعثرين في سداد القروض الشخصية، قال الرئيس التنفيذي إنها معقولة جدا ولا تتجاوز 1.2% من حجم القروض.
وأشار إلى أن عدد المتعثرين في سداد القروض الشخصية وصل إلى 60 ألف متعثر، تمثل النساء منهن 32% تقريبا نظرا لقيام بعض الأزواج بالاقتراض على راتب الزوجة ثم يتأخر في السداد عن الموعد المحدد.
ووفقا لمؤسسة النقد السعودي ارتفعت قيمة القروض الاستهلاكية والشخصية التي قدمتها البنوك السعودية خلال الستة أشهر الأولى من العام الجاري إلى 217.5 مليار ريال، مقابل 180.7 مليار خلال نفس الفترة من عام 2006، واحتمالات تعثر نسبة كبيرة من المواطنين والوافدين في السداد في الموعد المحدد.
وقال نائب محافظ مؤسسة النقد العربي عبد الرحمن الحميدي، في تصريحات سابقة لـ"العربية.نت"، إن البنوك السعودية ملتزمة تماما بشروط الجدارة الائتمانية عند منح القروض الشخصية والاستهلاكية وغيرها.
وأكد حرص المصارف السعودية على مستوى عالٍ من السيولة تفوق المعايير الدولية، وشدد على أن حالة "الأمان الكامل" متوافرة تماما في المصارف السعودية التي لم تسجل حالة تعثر واحدة رغم عصف الأزمة العالمية ببنوك عريقة دوليا.
وبخصوص تغطية القروض المتعثرة تمكنت البنوك السعودية من رفع نسب التغطية لمستوى 100% أو أكثر باستثناء كل من الجزيرة (85%) والبلاد (89%)، فيما سجل كل من الفرنسي والراجحي أعلى نسبة تغطية عند 147% و136 % على التوالي.