الرأي نيوز صحافة عربية و عالمية : دون كيشوت يستطيع أن يستريح
التاريخ : 2011-12-27

دون كيشوت يستطيع أن يستريح

الرأي نيوز

 صب دون كيشوت جهده على محاربة طواحين الريح: فقد رآها في خياله عدوا قويا ماردا يجب القضاء عليه. وقد اعتبر هذا الفارس شخصا رومانسيا وبطلا كان مستعدا ليبذل حياته من اجل حبه ومن اجل معتقداته. ولكثرة الرومانسية ينسى الناس احيانا ان دون كيشوت لم يحارب أشباحا حقيقية بل ما انشأه خياله. لقد كان بطلا لكنه عاطفي.
 في منتصف كانون الاول أرسل رون دريمر، وهو مستشار رفيع المستوى لرئيس حكومة اسرائيل، رسالة الى واحد من محرري صحيفة «نيويورك تايمز». والرسالة مكتوبة بلغة مهذبة تكاد تكون متملقة لكنها ترمي الى ان تكون اعلان حرب.
 اقترحت صحيفة «نيويورك تايمز» على نتنياهو ان يكتب مقالة بقلمه لصفحات الآراء في الصحيفة. ورفض دريمر باسم نتنياهو. وكان التعليل ان الصحيفة نشرت في شهر أيار الماضي بلا تحفظ الرواية المحرفة لرئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن عن التسلسل التاريخي الذي سبق انشاء دولة اسرائيل.
 ودريمر ايضا غير راض عن المواقف التي يعبر عنها عدد من أصحاب الأعمدة الصحفية في الصحيفة. وقد فحص ووجد انه من بين عشرين عمودا صحفيا كتبت عن اسرائيل في الاشهر الاخيرة، انتقد 19 منها نتنياهو وحكومته وكان واحد فقط لريتشارد غولدستون ايجابيا. «لا نريد ان نبدو بأننا نُبيض صفحة آراء «نيويورك تايمز» «، كتب دريمر. «لهذا استقر رأينا على الرفض».
 لم تكن الرسالة موجهة بالطبع الى أبصار المرسلة اليهم. فقد سارع مكتب ديوان رئيس الحكومة الى تسريب مضمونها الى صحيفة «جيروزاليم بوست»، وهي صحيفة يقرأ يهود كثيرون في الولايات المتحدة موقعها على الانترنت. وكان الهدف إسكات انتقاد نتنياهو في وسائل الاعلام الامريكية ولا سيما الانتقاد من قبل يهود. وكانت الوسيلة جعل وسائل الاعلام التي تنشر الانتقاد غير شرعية. فمن يتجرأ على الكتابة المضادة لنتنياهو معاد للسامية. واليهودي الذي يتجرأ على الكتابة المضادة لنتنياهو هو يهودي معاد للسامية ومن الواجب على كل يهودي مخلص ان يسد فمه. ان «نيويورك تايمز» هي بلا جدل الصحيفة الأبرز في العالم. وكل رئيس دولة يعطى فرصة ان يُشرك قراء هذه الصحيفة بما لديه من أفكار ينقض عليها في الحال لأنه لا يوجد في العالم منبر أهم منها وأكثر تأثيرا، ولكن نتنياهو يفضل القطيعة.
 كان تسريب الرسالة خطوة اولى فقط في الحملة الدعائية. وكانت الخطوة الثانية مقالة نشرت فورا بعد ذلك في «ويكلي ستاندرد» وهي اسبوعية يمينية. وقد كتبها أليوت أبرامز الذي تولى مناصب رفيعة في مجلس الامن القومي في فترة بوش. وأبرامز يهودي. وتصوراته المحافظة الجديدة تجعله يقوم عن يمين الحزب الجمهوري.
 وهو فوق كل شيء صديق كبير لاسرائيل. التقيت معه بضع مرات في فترة ولايته وبعدها. وهو رجل ذكي جدا وذو تعليل، رجل يثير الانطباع. لكن فخره لا يقوم على المقالة التي سنقتبس منها هنا.
 يوجه أبرامز أشد التهم الى اثنين من أصحاب الأعمدة الصحفية البارزة وهما توماس فريدمان من صحيفة «نيويورك تايمز» وجو كلاين من مجلة «تايم» قائلا انهما معاديان للسامية يهوديان. وذنب فريدمان انه كتب في واحد من أعمدته الصحفية ان الهتاف الذي استُقبل به نتنياهو في مجلس النواب الامريكي لا يشهد على موافقة على سياسته. «اشترت جماعة الضغط الاسرائيلية الهتاف ودفعت ثمنه». وذنب جو كلاين انه كتب ان المحافظين الجدد في امريكا يريدون «ارسال شباب امريكيين الى حرب من اجل أمن اسرائيل القومي».
 كان فريدمان يستطيع ان يختار كلمات اخرى لكن كان في دعواه بذرة حقيقة: فجماعة الضغط الموالية لاسرائيل مثل جماعات ضغط اخرى، تشتري تأييد اعضاء مجلس النواب الامريكي. وقد كنت هناك زمن خطبة نتنياهو في مجلس النواب. وكتبت تقريرا عن الاستقبال الحماسي. لكنني رأيت ايضا المتبرعين اليهود الكبار يراقبون من مقاعد المتفرجين المنتخبين الذين حظوا بتبرعاتهم ويتفحصون هل هم متحمسون بقدر كاف.
 لكن لنفترض انه مخطيء. لماذا يصبح انتقاد منظمة يهودية ما معاداة للسامية فورا؟ ولماذا يُصنف انتقاد على المحافظين الجدد الذين ورطوا امريكا في الحرب غير الصحيحة في العراق وهي حرب أفادت ايران فقط بأنه معاداة سامية؟ صحيح ان جزءا كبيرا منهم يهود. ماذا يعني هذا؟ ان جزءا كبيرا ايضا من أغنياء وول ستريت يهود. وبيرني مايدوف ايضا يهودي. أفيكون كل انتقاد له حتى لو كان انتقادا من ضحاياه اليهود مصابا بمعاداة السامية؟. ان واحدة من أكبر الزيادات في وجود دولة اسرائيل هي انه يجوز هنا آخر الامر ليهود ان ينتقدوا يهودا من غير ان يعيبوهم بأنهم معادون للسامية. ولا توجد هنا مشاعر ذنب يمكن التلاعب بها. للحرية ولدنا.
 وزملاؤنا الامريكيون ايضا للحرية ولدوا. ولم يسجل في صحيفة «نيويورك تايمز» هذا الاسبوع ذعر خاص من قطيعة رئيس حكومة اسرائيل. يستطيع دون كيشوت ان يستريح: فطواحين الريح ستستمر في طحن الريح معه أو من غيره.
يديعوت احرونوت
الرأي
عدد المشاهدات : ( 6857 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .