الرأي نيوز كتاب الرأي : سؤال في الأخلاق.. إنه عصـر الفضائح
التاريخ : 2018-05-08

سؤال في الأخلاق.. إنه عصـر الفضائح

الراي نيوز
كتب: فارس الحباشنة


نعيش في زمن ينفجر بالفضائح، لا تحتاج الى تنشيط الذاكرة للبحث عن فضيحة، وحتى نكاد الاعتراف جهرا بأننا نعيش في عصر الفضائح.


الفكرة في الموضوع، وأنا أتأمل عملية صناعة الفضائح وتزيينها، وما تنتج ماكينات الاستهلاك من فضائح، لم يتنبه أحد من مروجيها وصناعها وابطالها وجمورها الى أن السوق قد تغيرت، وأن مزاج الاردنيين لم يعد بذات الحماسة والانفعال، وأن صلاحية بعض الفضائح أقل كلفة شعبيا من تصنيعها.
بمعنى أدق، فان المجتمع يبحث عن فضائح نوعية من العيار الثقيل والسقوف العالية، فالسوق غارقة بالفضائح باٌقل الكلف وقليل العوائد، ومع امكانيات التكنولوجيا والاتصالات الحديثة توفرت ادوات حديثة: صورة وصوت، ما اضفى على الفضائح نوعا لطيفا من الرونق والخفة وسرعة الانتشار.
ثمة فضائح تعري النظام الاخلاقي العام، وتؤكد أن منطومة الاخلاق والقيم الاجتماعية عاجزة عن صد فضائح تتسلل دون مواربة الى اليوميات العامة، فلا سلطة اجتماعية او اخلاقية او معيارية قادرة على ردع وتوجيه وصد مسارات من الانحلال والانفلات الاخلاقي.


تولد فضائح يمكن اعتبارها بالمعنى العام اعلانا لانتهاء صلاحية النظام الاخلاقي، وأنه لم يعد قادرا على الاستمرار، وإن كنت أميل لاعتبارات فلسفية بأن الاخلاق نسبية، وما كان يمكن اعتباره قيمة اخلاقية في زمن، يصبح جريمة ومبتذلا في زمن أخر.


ولو تحوطنا في تقييم مضامين أخلاقية كثيرة ولدت وأندثرت في محيطنا العام لاكتشفنا كثيرا منها، فالعرب كانوا يئدون البنات، وكان ذلك تعبيرا عن نظام اقتصادي -اجتماعي في توزيع الثروة ينحاز الى الذكور الاقوياء،وعندما جاء الاسلام اعتبرت تلك جريمة بعد اكتشافهم لنظام اخلاقي جديد، تمكنوا مع الدخول في الاسلام من اعادة انتاج معايير ومفاهيم جديدة لامور اخلاقية واجتماعية كثيرة.
في الثقافة الشعبية العربية الثأر كان تعبيرا عن قوة وصلابة اجتماعية، وكان يرمز الى ذكورة وفحولة صلبة، ولا يقوم به الا عماد القوم والقبيلة، ولكن مع الدخول الى عصر الدولة الحديثة وتمدن المجتمع لحد ما تغيرت هذه الصور في وعي الناس.


الحداثة حاربت قيما اخلاقية واجتماعية كثيرة موروثة واعتبرتها رمزا لجهل وتخلف، ولربما يسقط المجتمع احيانا في المجاراة والتسكين ويبتعد عن المواجهة والصراعية، وعادة ما تكون نتيجة لعطب وعطل واخفاق تصيب حركة المجتمع وتقدمه نحو التمدن والحداثة.
انفصام وتشوه مرضي اخلاقي، وهذا ما نراه كثيرا في معاقبة الاخرين ومحاكمتهم اخلاقيا، ولكن ذلك لا ينسحب على «السلطة الاخلاقية» او من يخصونها، هو موديل يتفشى انتشاره، وهو بداية لطقوس انفصام المجتمع اخلاقيا في النظرة الى أمور عامة كثيرة.


فهناك من يصرون على تقديم صورة مثالية وفضلى للمجتمع، الى حد التزمت، ولكن يكفي أن تقلب اخبار الصحف لتكتشف خزان الفضائح اليومي: المبكي والدامي، ولا نريد أن نغوص أبعد الى العوالم السرية والسفلية وما تكتنز من حياة مناقضة ومغايرة للصور المثالية والفضيلة.


التزمت هو عنوان حياة علنية، قد يكون احيانا للتستر على جرائم المجتمع، فكلما اشتد الكلام عن الفضيلة والاخلاق الرشيدة تخيل أن الفضيحة كبيرة جدا، هي سمة اخلاقية لمجتمعات ما زالت مترددة ومرتعشة وخائفة، وفي هذا الموضوع حديث طويل يمكن أن يحكى.

 

عدد المشاهدات : ( 291 )
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع 'الرأي نيوز' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .