التاريخ : 2015-09-22
تقرير دولي : الاردن استفاد سياسيا من تدفق اللاجئين
الراي نيوز
: بالرغم من اقراره بأن أزمة اللجوء السوري أدت إلى تفاقم التحدّيات السياسية والاقتصادية ومعها تحدّيات الموارد المزمنة في الأردن، اضافة الى ان اللاجئين أرهقوا البنية التحتية الاقتصادية والموارد في الأردن، والتي كانت تعاني أصلاً من مشاكل هيكلية قبل اندلاع أزمة اللاجئين، غير ان بحثا - هو الاول من نوعه الذي يتناول أزمة اللاجئين في الاردن بكافة جوانبها وبالتفصيل - ، يرى ان الحكومة الأردنية استفادت سياسياً من تدفّق اللاجئين.
واوضحت ورقة بحثية أعدتها ألكسندرا فرانسيس لمركز كارنيغي للسلام الدولي ، أن السوريون المسحوقون والذين أنهكتهم الحرب كانوا بمثابة تذكير صاخب بالعواقب المحتملة للاحتجاجات التي شهدتها المملكة في 2011، ما أدّى بالتالي إلى كبح شهيّة الأردنيين لتغييرٍ سياسيٍّ أوسع.
واضافت ' الأهم من ذلك أن عدد اللاجئين السوريين أصبح، في هذه الفترة من عدم الاستقرار الإقليمي الذي بلغ ذروته، كبشَ فداء لمواجهة التحدّيات الوطنية التي سبقت أزمة اللاجئين، ماشكّل حاجزاً أمام الانتقاد العلني للحكومة'.
ودعت الورقة البحثية التي اطلعت عليها 'جراسا' ، الأردن للاستمرار في الاستفادة من أزمة اللاجئين السوريين باعتبارها فرصة لمعالجة المشاكل التي تسبق الصراع. ذلك أن تدفق اللاجئين يوفّر للأردن المكانة الدولية الرفيعة اللازمة للفت انتباه الجهات المانحة الدولية إلى التحدّيات الوطنية المنتشرة وعميقة الجذور في المملكة.
ورأت الباحثة ألكسندرا بأن الرأي العام الأردني يبالغ باستمرار في الحديث عن الآثار السلبية لتدفّق اللاجئين السوريين، بينما تحظى الآثار الإيجابية اهتماماً أقل بكثير، مايُبرز الطبيعة السياسية لأزمة اللاجئين في الأردن. كما أن للشعور العام تجاه اللاجئين السوريين تأثيراً ضارّاً على قدرة الحكومة على الاستجابة بصورة مثمرة لتدفّق اللاجئين.
واعتبرت ان الأردن فقد الثقة في دعم الجهات المانحة الدولية، وهو يواجه النداءات الإنسانية التي تشتكي باستمرار من نقص التمويل. ومن دون الحصول على مساعدات إضافية واستجابة مستدامة لأزمة اللاجئين، سيستمر الأردن في تضييق نطاق حماية السوريين. وعليه، فإن القيام بذلك سوف يزيد من مخاطر عدم الاستقرار في الأردن والمنطقة على المدى الطويل.
كما حذرت من ان ترك تحديات اللجوء من دون معالجة فسوف تشكّل إرهاصات لحالة من عدم الاستقرار. وإذا ما أراد الأردن مواجهة التحدّيات الوطنية والاستمرار في توفير ملاذ آمن للاجئين السوريين، سيحتاج إلى زيادة الدعم الدولي.
واوصت الباحثة بإعطاء الأولوية لإدماج المساعدات التنموية والإنسانية. تاريخياً، كان الأردن ينظر إلى تدفّق اللاجئين باعتباره يمثّل فرصة لدفع عجلة التنمية الوطنية. ولذا يتعيّن على المجتمع الدولي أن يدرك هذه الديناميكية ويعطي الأولوية لإدماج مساعدات التنمية الوطنية مع المساعدات الإنسانية في سياق استجابته لأزمة اللاجئين السوريين، ماسيعود بالنفع على المجتمعات المضيفة واللاجئين على حدٍّ سواء.
كما اوصت بالحفاظ على نطاق الحماية الخاص باللاجئين السوريين. مع ارتفاع حدّة التوتّر في المجتمع المضيف، ينبغي على الأردن مقاومة التلاعب السياسي بنطاق حماية اللاجئين. ولذا من الضروري أن يضمن الأردن حق اللجوء للاجئين بهدف توفير الأمن الإنساني لهم.
وكذلك توثيق حرية الوصول إلى سبل العيش. يجب على الجهات الفاعلة التي تتجاوب مع الأزمة السورية في الأردن أن تحوّل سياسات الاستجابة من نهج طارئ إلى آخر مستدام على المدى الطويل. ومع استمرار الأزمة السورية، فإن إضفاء الطابع الرسمي على القطاع الاقتصادي والمساعدة على الوصول إلى موارد الرزق في الأردن، سيخفّفان احتمالات تعرّض اللاجئين إلى الأذى، ويعزّز الاقتصاد الأردني، ويقلّص النداءات الإنسانية الطارئة.
ودعت ايضا الى تمكين الجهات الفاعلة المعنيّة بالحكم المحلي. ينبغي أن تتضمّن المساعدات الدولية برامج بناء القدرات لتعزيز قدرة الجهات البلدية الأردنية على تقديم الخدمات إلى عامة الناس واللاجئين السوريين.
وجاء في مقدمة الورقة البحثية :
وفقاً لكل المعايير تقريباً، نجح الأردن حتى الآن في تجاوز الانتفاضات العربية. وعلى الرغم من الاحتجاجات العامة التي شهدها الأردن طيلة العام 2011، حافظ النظام الملكي الهاشمي في الواقع على الوضع القائم للحكم وتجنّب تقديم الكثير من التنازلات لإرساء الديمقراطية. وعلى الرغم من الاستياء الشعبي الواسع من ارتفاع الأسعار والبطالة والفساد الحكومي، فقد فشلت الاحتجاجات في حشد أعداد كبيرة من الأردنيين في الشوارع. في هذه البيئة الفاترة، قوّض 'النظام' بسهولة الحركة الاحتجاجية عبر وسائل أردنية تقليدية للمهادنة السياسية، وبالتالي تلاشت الاحتجاجات تدريجياً في النصف الثاني من العام 2011.
ومع ذلك، لم ينجُ الأردن من نتائج موجة عدم الاستقرار الإقليمي. فقد تسبّبت الفوضى في سورية بطوفان من اللاجئين عبر حدود الأردن الشمالية. في البداية، استفادت الحكومة الأردنية سياسياً من تدفّق اللاجئين. فقد كان السوريون المسحوقون والذين أنهكتهم الحرب بمثابة تذكير صاخب بالعواقب المحتملة للثورة، ما أدّى بالتالي إلى كبح شهيّة الأردنيين لتغييرٍ سياسيٍّ أوسع.
والأهم من ذلك أن عدد اللاجئين السوريين أصبح، في هذه الفترة من عدم الاستقرار الإقليمي الذي بلغ ذروته، كبشَ فداء لمواجهة التحدّيات الوطنية التي سبقت أزمة اللاجئين، ماشكّل حاجزاً أمام الانتقاد العلني للحكومة. والواقع أن المفاهيم السلبية عن السوريين حَرَفت انتباه الرأي العام عن التحدّيات المخاتلة التي يواجهها النظام السياسي الأردني.
ومع ذلك، يبدو أن كفّة هذا التوازن السياسي الدقيق بدأت تنقلب. وفيما تصبح احتمالات التوصّل إلى حلّ للصراع السوري بعيدة المنال أكثر فأكثر، ويتضخّم عدد اللاجئين السوريين في الأردن، ارتدّ استياء الرأي العام على الحكومة الأردنية. وكشفت الزيادة السكانية الحادّة الناجمة عن وصول اللاجئين، عن شروخٍ عميقة وقائمة منذ فترة طويلة في البنية التحتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأردن.
يشكّل تدفّق السوريين مشكلة سياسية للأردن. إذ يتركّز السوريون بدرجة كبيرة في المجتمعات المحلية الأكثر انكشافاً في الأردن، حيث بدأت المظالم التي يبرزها اللاجئون السوريون تستنفر الأردنيين المهمّشين. ومع تنامي مشاعر الإحباط العام، يتم تأطير الصراع السياسي أكثر فأكثر باعتباره صراعاً ضدّ الحرمان من الحقوق. ولاريب أن هذا يتناقض مع الصراعات السياسية التاريخية في الأردن، والتي تميّزت في الأصل بكونها صراعات بين النظام الملكي وبين جماعات مصالح النخبة (مثل الإسلاميين والفلسطينيين). وقد عجّل التضخمُ السريع في أعداد اللاجئين السوريين ظهورَ سرديّة عن المهمّشين في المجال السياسي، لها القدرة على تهديد استقرار الهيكل السياسي الحالي في الأردن.
يتركّز السوريون بدرجة كبيرة في المجتمعات المحلية الأكثر انكشافاً في الأردن، حيث بدأت المظالم التي يبرزها اللاجئون السوريون تستنفر الأردنيين المهمّشين.
وبما أن النمو السكاني الهائل يرهق قدرات المجتمع المضيف، فقد ألقى وجود اللاجئين السوريين الضوء على بعض أكبر التحدّيات المعاصرة في الأردن. إذ يشير عدد واسع من التقارير إلى تأثير اللاجئين السوريين على موارد الأردن المستنفَدة، وزيادة المنافسة على فرص العمل، وتحميل البنية التحتية فوق طاقتها، وإرهاق الخدمات الاجتماعية، مثل الرعاية الصحية والتعليم. وتجدر الإشارة إلى أن كل التحدّيات التي أبرزها اللاجئون لها جذورٌ عميقة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في الأردن. والواقع أن عدد اللاجئين السوريين لم يسهم إلا في تفاقم تحدّيات مزمنة كانت موجودة مسبقاً، وقد تكون إرهاصات لعدم الاستقرار في المستقبل.
يحدّ الشعور العام السلبي تجاه اللاجئين السوريين من قدرة الحكومة الأردنية على الاستجابة للأزمة. ومع ارتفاع حدّة التوتّر في المجتمع المضيف، دعا المواطنون الأردنيون الحكومة إلى الحدّ من منافسة اللاجئين السوريين لهم. ومنذ العام 2014، استجابت الحكومة الأردنية للإحباط العام الصريح والواضح أكثر فأكثر ولتزايد المخاطر الأمنية الإقليمية عن طريق الحدّ من حفاوتها تجاه اللاجئين السوريين. وقد توتّرت العلاقة التي اتّسمت في السابق بالتعاون بين مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبين المملكة الأردنية الهاشمية، عندما فرض الأردن قيوداً على عدد السوريين الذين يمكنهم أن يدخلوا البلاد، وأغلق المعابر الحدودية التي يمكن الوصول إليها، وحاول حشر المزيد من اللاجئين في المخيمات. وبعبارة أخرى، يبدو أن المسؤولين الأردنيين استنتجوا أن الفوائد السياسية الأولية لاستضافة اللاجئين السوريين قد تضاءلت، وأن الوجود السوري المتزايد في المملكة قد يهدّد الاستقرار الوطني، لأن القلق الأردني يركّز على الضغوط التي يُفرزها اللاجئون السوريون على المجتمعات المضيفة.
مع ذلك، فإن المحاولة الأردنية الرامية إلى تهدئة الاستياء العام، من خلال تضييق نطاق حماية السوريين، تشكّل سياسة مخطئة. ذلك أن احتواء أزمة اللاجئين السوريين لايُعالج القضايا الهيكلية الكبيرة في الأردن التي هي في قلب التحدّيات التي يواجهها، وينكر الفوائد المترتّبة على استضافة اللاجئين السوريين، ويتجاهل الضرورة الأخلاقية لتوفير ملاذ آمن لضحايا إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في هذا الجيل. ولعل مايُثير القلق أكثر هو أن الاستجابة التي تدفع اللاجئين السوريين إلى المزيد من الفاقة واليأس، تزيد من مخاطر أزمة اللاجئين وتكاليفها بالنسبة إلى الأردن والمجتمع الدولي على المدى الطويل.
بدلاً من ذلك، يجب أن يستمر الأردن في الاستفادة من أزمة اللاجئين السوريين باعتبارها فرصة لمعالجة المشاكل التي تسبق الصراع. ذلك أن تدفق اللاجئين يوفّر للأردن المكانة الدولية الرفيعة اللازمة للفت انتباه الجهات المانحة الدولية إلى التحدّيات الوطنية المنتشرة وعميقة الجذور في المملكة. ومع ذلك، فإن هذا يتطلّب الحصول على دعم المجتمع الدولي. ولذا يتعيّن على الأردن والجهات المانحة الدولية العمل على استغلال الفرص الكامنة في تدفّق اللاجئين السوريين إلى المملكة، لتعزيز التنمية الوطنية في الأردن والنهوض بأعباء السوريين الذين شرّدتهم أكثر الحروب الأهلية تدميراً في العقد الماضي.