الراي نيوز -فارس كنعان
ما قدمه الدكتور معروف البخيت من مداخلة سياسية مكتوبة ومنشورة في الزميلة الغد حول جدل ومفهوم الحكومة البرلمانية , تستأهل التوقف والمناقشة , بصفتها – اي الورقة – ارضية تاريخية سياسية لمناقشة تعريف الحكومة البرلمانية وحضورها في الحياة السياسية الاردنية , وهذا يدفعنا الى الجرأة في نقد الورقة بداية من حيث الية الظهور او طريقة الوصول الى الناس , حيث كان الاجدى ان تكون في جلسة حوارية او ندوة سياسية , لا مقالة مع الاحترام الشديد للزملاء في الغد , فنحن نناقش ورقة سياسية تَبحث قضية جدلية في ظل تراكمية الشعارات في المشهد اليومي وغياب التأصيل السياسي والنظري للشعار المطروح .
فالمقالة او الورقة النظرية وقعت في شرك حذّر منه الامام علي بن ابي طالب في مقولته الشهيرة " ليس كل ما يعرف يقال ولا كل ما يقال ينشر ولا كل ما ينشر حضر اهله ... " وهذه العبارة او الجملة الاخيرة من العبارة هي الاهم , فحضور اهل الورقة من سياسيين ونشطاء ومهتمين كان يفترض ظهورها في ندوة عامة ليتم نقاشها وتثقيفها , للوصول الى اساس نظري وسلوك ثقافي في النقاش السياسي , هذا السلوك الغائب عن الحياة السياسية لغياب الاوراق النظرية اولا وعدم مناقشة الاوراق القليلة التي تم تقديمها بروية ومن عقول مختلفة سياسيا ثانيا , فبقيت الاوراق القليلة اسيرة مقدّميها وبالتالي اسيرة الرغائبية في النقاش , فإما الادانة المطلقة او التأييد المطلق ولربما كانت النقاشات في معظمها لمناقشة القائل وليس القول .
الورقة بدأت بسرد تاريخي لواقع المشاركة البرلمانية في السلطة التنفيذية , ودون تأثير او تضييق على مبدأ الفصل بين السلطات , فثمة حكومة برلمانية او نصفها برلماني قامت بالتنسيب بحلّ البرلمان و ثمة حكومة ثانية هي الاطول في عمر الحكومات الاردنية على الاطلاق كانت بنفس النسبة – اي نصفها برلمانية – فلا الاولى تغاضت عن موجبات حل المجلس ورحيل الحكومة ولا الثانية ساهم وجود النواب في إطالة عمرها , فعمر الحكومة مرتبط بحسن عملها والتزامها بما تقدمه وليس بحجم الوجود النيابي من عدمه .
ثم قدمت الورقة رؤية خجولة لإمكانية الحكومة البرلمانية في الاردن , وانعكاسات الوجود النيابي على مقاعد الوزارة , في ظل اختلالات التركيبة الكتلوية في مجلس النواب القادم , وطغيان فوز المستقلين في ظل الواقع الحزبي المشرذم او غير المتجذر , فالكتل التي يمكن تشكيلها قبيل الانتخابات هي ما ستفرزه القوائم الوطنية كحجر اساس ثم يتم اضافة ما تيسر من مستقلين او حزبيين شاركوا في الانتخابات على المقاعد الفردية , ومعلوم ان القائمة مؤلفة من 27 مرشحا على الاكثر سيتم اقتسام مقاعدها من ثلاث قوى رئيسية على الاغلب , اي ان فرصة القوائم الجذرية او البرامجية محدودة , وهذا سيفتح المجال لاصطفافات ذاتية او تحالفات مصلحية هي عرضة للتفتت في اول منعطف سياسي .
لذا غامرت الورقة وعلى استحياء بطرح مقترح , غير واضح المعالم على الاطلاق مفاده الحكومة البرلمانية الاردنية والتي تعني حسب الورقة " كون هذه الحكومة وسطاً بين حكومات الأغلبيّات البرلمانيّة، غير المتوقعة في بلدنا، وبين الحكومات اللا برلمانيّة. وما يجعل الحكومة برلمانيّة ليس مشاركة النوّاب فيها، بل مدى سلطة البرلمان على الحكومة، قبل الثقة وبعد الثقة " .
ومن المعروف ان اية حكومة لا تستكمل دستوريتهادون ثقة النواب فأين الجديد او المتجدد في الحل الا اذا كان التعريف فيه محاولة لإظهار الخصوصية الاردنية , مشابهة لتلك الخصوصية التي كان ينظّر لها السياسي اللبناني عن حزب الكتائب ميشال شيحا , والتي تعني تأبيد الواقع القائم وتكريس المحاصصة الطائفية في لبنان , فما معنى حكومة برلمانية اردنية , تكون وسطا بين برلمانية غائبة لعدم قدرتها على تحصيل الاغلبية والحكومة اللابرلمانية .
وما يؤيد هذه الرؤيا دعوة الدكتور البخيت الى الهروب الى الامام من الاستحقاق السياسي لمرحلة ما بعد الانتخابات – اية انتخابات – بأن تبقى الحكومة التي يجري في عهدها احراء الانتخابات , مع اضافة نكهة سياسية للحكومة التي ستَجري الانتخابات ثم زيادة منسوب هذه النكهة بتعديل بعد الانتخابات تراعي مخرجات العملية الانتخابية , علما بأن السائد في كل الدنيا ان تستقيل الحكومة التي تُجري الانتخابات تمهيدا لتشكيل حكومة جديدة تعيش مع مجلس النواب الجديد وتكون حائزة على ثقته , وهنا نتحدث عن حكومة جديدة ستتعامل مع مجلس نواب جديد من حيث الجودة والعمر وليس العمر فقط , والجودة النيابية مفهومة بأنها مجلس خالي من دنس التزوير والتدخلات والمال السحت .
نشكر الدكتور البخيت على تنشيط الحالة السياسية بتقديمه ورقة نظرية نحن بحاجة الى مثيلاتها وتكرارها منه ومن ذهنيات سياسية مختلفة , فهذا سيسهم في عقلنة التجربة السياسية التي تسير دون هداية نظرية او سياسية , بل وما زالت تؤسس للفردية وتلغي العقل الجماعي والتفكير الجمعي .