يعجز أهل البلد عن تفسير الإخفاق في انجاز الإصلاح بشقيه السياسي والاقتصادي، وعجز نحو 35 رئيسا شكلوا نحو 77 حكومة منذ إبراهيم هاشم عام 1946 مع إعلان المملكة، وحتى الرئيس الحالي عبد الله النسور عن ترسيخه كمفهوم، والبناء على أساسه.
لكن رؤساء الوزراء الذين تم تعيينهم وحتى القادم كانوا نسوراً؛ بمعنى أن الموضوع لا يتعلق بشخصية النسور رئيس الوزراء الحالي والمرشح أن يكلف من جديد، بل بشخصية أي رئيس وزراء، فهو إما شغل هذا المنصب من قبل وأخفق، وإما منقلب من صف المعارضة إلى الموالاة المطلقة، ليس للنظام فحسب بل للنهج الخاطئ التي تنتهجه الدولة منذ عقود.
يمكن استثناء عدد محدود من الرؤساء مثل عبد الكريم الكباريتي أو عون الخصاونة وآخرين في السابق، لكن هؤلاء ايضا أخفقوا حتى لو كان لأسباب خارجة عن إرادتهم؛ ما يدل على أن العائق يكمن في النهج لا بالأشخاص، وبـ"السيستم" بشكل عام مع غياب تفعيل بنود الدستور من جهة، وقوانين مجدية تحكم المسار وتوجهه نحو الطريق الصحيح.
ولكي تتضح الصورة أكثر يمكن تفنيد مسيرة النسور الحالي، ليش لشخصه فقط، لكنه مثال واضح على كل من حمل تلك المهمة، ودليل على مكمن الخلل، وإلا فكيف يفسر الماراثون الحالي لاختيار الرئيس في ظل استحقاق تقديم الحكومة الجديدة بياناً وزارياً لمجلس النواب بحلول يوم العاشر من الشهر الحالي، مع وجود شبه اجماع على النسور وغياب أسماء اخرى باستثناء عدد محدود؟!
الرجل معروف بحنكته السياسية، ومحافظته على مسافة محددة بين شخصه وشعبيته، لكنه فقدها فور تكليفه بعد أن تناقضت سياساته المعلنة ضد قانون الصوت الواحد، وموافقته على انتخابات بنفس القانون، بل برر بأنه كان محضر اجماع، وفقد أكثر عندما رفع الأسعار بطريقة شكلت سابقة الأولى من من نوعها.
النسور كحال كل سابقيه تقلد مناصب عليا في الدولة وخاض تجارب سياسية طويلة، سواء من خلال حقائب وزارية، أو موقع كنائب لأكثر من دورة، وخلفيته اقتصادية بحتة ومن جامعات عريقة، لكنه أخفق في علاج الواقع السياسي والمتأزم، ولم يستطع أن يخرج بحلول وسطية وتوافقية ما بين الدولة والمعارضة.
في الاقتصاد كان سابقة من نوعه في قرارات غير شعبية، وإن كانت في بعدها الموضوعي صحيحة وستساهم في التخلص من تشوهات دعم السلع، إلا أنه لم يستنفد الخيارات كافة، ولم يحاول هو وطاقمه الوزاري البحث عن حلول أخرى، رغم أن كثيرا منها واضحة من قوانين ضريبة أو خفض نفقات وما الى ذلك، واتجه نحو القرار الأسهل بالنسبة له، والأصعب بالنسبة للناس، ألا وهو رفع الاسعار والضرائب.
ماذا فعل النسور ومن سبقه في مواضيع الإصلاحين السياسي والاقتصادي، وماذا سيفعل القادم، إذ إن مراجعة سريعة للوضع تثبت أننا ندور في نفس الحلقة وذات السياق؛ فقوانين أبرزها الانتخاب ما يزال مفروضا على الجميع، ومعدلات البطالة والفقر وعجز الموازنة والنمو والموازنة العامة أصبحت مستنسخة عاما بعد عام، في ظل حديث متكرر أصبح مملاً مثل: اعتماد استراتيجيات، ووجود خطط، ومحاولات لفك العقد.
رحيل رئيس وقدوم آخر لم يعد يشغل أهل البلد، بل هو الشغل الشاغل لمن تمترسوا في الدولة ومؤسساتها وورثوها لمن بعدهم، سواء كانوا ذا صلة قربى أم لا، وبدت الصورة أوضح بكثير، ولا يمكن إلا القول: "نسور رايح نسور جاي".