التاريخ : 2016-02-13
صحيفة: الملك في ميونخ: صوت الحكمة والاعتدال والتمسك بالحقوق
الراي نيوز
تميز خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني امام مؤتمر ميونخ الثاني والخمسين للأمن والذي القاه جلالته في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر يوم أمس، بالوضوح والصراحة والتمسك بالحقوق القومية وثوابت الموقف الاردني المعلن من جُملة من قضايا وملفات المنطقة، بدءاً بالارهاب مروراً بتطورات الأزمة السورية والوضع العراقي وليس انتهاء بالقضية الفلسطينية، التي أضاء عليها جلالته بقوة داعيا المجتمع الدولي إلى توخي الانصاف وتدارك الفشل في حرمان الفلسطينيين من حقهم في انشاء دولتهم فيما يواصل هذا المجتمع الحديث عن الحقوق والعدالة العالمية، ما ادى هذا الفشل إلى حالة من الظلم والقهر، تستغلها داعش وامثالها من العصابات الارهابية.
من هنا وفي السياق ذاته، جاءت قراءة جلالة الملك للمشهدين الدولي والاقليمي لتضع الأمور في اطارها المنطقي والواقعي بعيداً عن التمسك أو التعلق بالماضي، الذي حذّر منه خبراء استراتيجيون رأوا في ذلك مخاطر جدية وماثلة، لأنه يعني استمرار فوضى حروب بائدة، فيما المطلوب والجوهري والعاجل هو الالتفات إلى مخاطر الحاضر، لافتاً جلالته الى ان انعقاد المؤتمر يعكس ادراكاً عميقاً بأننا بدأنا فعلاً خوض الحرب القادمة، بما هي صراع جديد ومعقد من اجل المستقبل.
إذ أعاد جلالته التذكير بالوصف الدقيق والمستند إلى قراءة معمقة لما يحدث في منطقتنا من ارهاب وعنف وسفك للدماء بأنها «حرب عالمية ثالثة، ولكن بوسائل اخرى» ليس فقط لمجرد الاشارة إلى حجم التهديد الذي نواجهه والذي يأخذ طابعاً عالمياً اكثر فأكثر، بل إلى ما تشترك به مثل هذه الحروب وهو قدرتها على أن تكون عاملاً في إحداث تغييرات هائلة، فإنما للفت الأنظار، أنظار الجميع، بأن النصر أو الهزيمة في هذه الحرب، سيشكل منظومة القيم العالمية، ويحدد أمننا وأُسلوب حياتنا لفترة طويلة قادمة وعلى امتداد القرن الحادي والعشرين.
نحن اذاً أمام رؤية ملكية شاملة، تقرأ في كتاب التاريخ وتستند إلى تراث عميق من التجارب الناجحة التي خاضها الاردن ضد الارهاب منذ زمن طويل، ما يعني ان مصلحة استراتيجية اساسية تجمع المجتمع الدولي تتمثل في ضرورة انتصار التحالف الدولي في سوريا والعراق، ما يعني بدقة ووضوح، ان القضاء على عصابة داعش الارهابية في هذين البلدين، يتطلب تكاملاً في جهودنا، وهو الأمر الذي يمثل أولوية في منطقتنا، اضافة بالطبع إلى مسألة مهمة لفت اليها جلالته وهو ان الانتصار في هذه الحرب من اجل المستقبل، يتطلب منا بذل المزيد، مع الاعتراف في الآن ذاته، بأن هذه العصابة، ليست سوى جزء من تهديد عالمي اكبر.
ولئن حرص جلالة الملك على حقيقة ان الدول الفاشلة والفوضى في مناطق النزاعات والانقسامات الطائفية، تشكل ارضية خصبة لانتشار وبات الارهاب والتطرف، الذي يحرض العنف والوحشية، والتي لا تقف عند حدود الدول، فانما كي يلفت مرة اخرى إلى ان الارهاب يستقطب عناصره المغرر بهم من جميع انحاء العالم، والمجتمعون في ميونخ يدركون اكثر من غيرهم، ان ليس هناك اي منطقة في العالم لا يستهدفها شر هذا الوباء. ولأن جلالة الملك لم يتوقف للحظة واحدة عن الدعوة وبالحاح إلى اتباع نهج شمولي في مكافحة الارهاب، والقول انه حان الوقت فعلاً للارتقاء إلى مستوى جديد من العمل الدولي الذي يتطلب من الجميع توجيه الموارد والادوار والمسؤوليات في ما بينهم، وتوحيد الجهود العسكرية والأمنية والعمل في شكل جماعي وكتحالف دولي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فانما لتذكير الجميع ايضاً بأن علينا، نحن العرب والمسلمين مسؤولية وواجب تصدر جهود محاربة الخوارج، كونها حرب لحماية ديننا الحنيف، وقيمنا ومستقبل شعوبنا في النهاية، ما يعني جهداً يتطلب شراكات واسعة لانه عالمي الطابع من حيث اتساع مداه، كون جميع الشعوب مهددة من فكر هؤلاء الخوارج القائم على العنف وازدراء قيمة الحياة البشرية.
قصارى القول، ان جلالة الملك كعادته سمّى الأشياء بأسمائها، واشار إلى مواطن الضعف أو التردد في المجتمع الدولي داعياً اياه إلى الالتفات بجدية إلى أزمة اللاجئين السوريين بما هي قضية مُلحة تستحق الاهتمام، كونها أكبر المآسي الانسانية في عصرنا، شاهد العالم بأسره آثارها على الشواطئ والحدود، والاردن هو المتأثر الأكبر منها، إذ يعرف العالم أجمع ان كل خمسة من الاردنيين يقابلهم سوري يستضيفه بلدنا.