التاريخ : 2017-04-02
مأزق التعليم في الأردن
الراي نيوز
:ينفق أبو محمد 300 دينار شهريا على المراكز المتخصصة والدروس الخصوصية لابنته في الثانوية العامة، لضمان حصولها على معدل مرتفع تدخل فيه جامعة حكومية. ويجهد أبو محمد في ترتيب أولويات إنفاقه لتأمين تحقيق ابنته معدلا يؤهلها لدخول جامعة حكومية، ما يحرم نفسه وعائلته من الإنفاق على مجالات أخرى أو ادخار المبلغ لانفاقه على مصاريف مستقبلية. وأبو محمد، الموظف في القطاع الخاص، واحد من مئات ألوف أرباب الأسر الذين يحاولون تأمين تعليم جيد لأبنائهم، قبيل الالتحاق بالجامعة، سواء عبر الدروس الخصوصية أو مراكز التدريس الخاصة، أو "الدوسيات"، رغم أنه يفترض أن يكون الكتاب المدرسي ومعلم الصف هما المرجعين الوحيدين للطلبة. ويقول الخمسيني أبو محمد "على أيامنا لم نكن بحاجة لكل هذه النفقات، فالمنهاج ومعلم المدرسة كانا مرجعينا الوحيدين". ويضيف أن "الكتاب المدرسي لمختلف مستويات الطلبة مليء بالحشو، لدرجة أن من يصل من أبنائي لمرحلة الثانوية العامة يباشر في الدراسة بالمدرسة أو في المراكز الخاصة قبل موعد التحاق أشقائه وشقيقاته في الدراسة".
أما أبنائي في الصفوف الأساسية، يتابع أبو محمد، فأشفق عليهم من وزن الحقيبة، رغم أن متابعتي لهم ووالدتهم بالدراسة تظهر أن العديد من الوحدات الدراسية يتم إلغائها أو تحديد أجزاء منها من قبل المعلمين. ولا يقف تذمر أولياء الأمور عند ضعف المناهج أو حجم الكتاب وثقل الحقيبة قياسا بحجم المعلومات التي تتضمنها.
وتقول المرشدة التربوية السابقة رنا إبراهيم إن المناهج مليئة بالحشو والتكرار في نفس المواضيع لأكثر من مادة، حيث أن ولي أمر الطالب يجد بعض الدروس التي يتلقاها ابنه أو ابنته في الجغرافيا في مادة علوم الأرض ولنفس الصف أحيانا.
وتضيف أن المسؤولين عن المناهج أغفلوا عن حقيقة أن جودة الكتاب لا تقاس بحجمه أو عدد صفحاته، بل في مضمونه وتجنب التكرار فيه. فعلى سبيل المثال، والحديث لرنا، يضم كتاب الثقافة المالية للصف الأول الثانوي فرع الأدبي، تكرارا لمصطلحات تحمل نفس المعنى ولمنهاج الثقافة المالية في الصف السابع، ما يربك الطالب ويصعب عليه الاستفادة من المادة، ويضيع جهد الطالب في مرحلتين من عمره.
وسقط منهاج الثقافة المالية على المدارس فجأة، وفق أولياء أمور، حيث تم إدراجه في الصفين السابع والأول الثانوي الأدبي بعد إلغاء فرع تكنولوجيا المعلومات، ما دفع الوزارة لتدريسه بالمدارس حفاظا على كوادر المعلمين في الوزارة أو في المدارس الخاصة. وتتفق الموظفة الحكومية أم عبدالله مع سابقيها بخصوص المناهج، وتضيف أن مستوى تحصيل أبنائها في مدارس الحكومة بتخصص اللغة الإنجليزية أقل من مستوى أبناء خالاتهم في المدارس الخاصة. وتقول "ليس بمقدور الجميع تدريس أبنائهم في مدارس خاصة، والتي تضيف كتب لغة إنجليزية إضافية تعزز من قدرات الدارسين فيها". وتضيف أم عبدالله إن من حق جميع الطلبة الحصول على عدالة في التعليم، لأن المنافسة على الدخول في الجامعة أو سوق العمل لا تراعي أسباب ضعف خريج المدارس الحكومية – بشكل عام – باللغة الإنجليزية. وتدخل المدارس الخاصة في مناهجها كتبا باللغة الإنجليزية، سواء أميركية أو بريطانية، إضافية على الكتب المقررة من وزارة التربية والتعليم، وتضيف أحيانا تدريس العلوم والرياضيات باللغة الإنجليزية لبعض الصفوف الأساسية، ما يعزز من قدرات خريجي هذه المدارس باللغة العالمية، قياسا على أقرانهم في المدارس الحكومية. وتقف أم أسامة، موظفة الحكومة والحاصلة على درجة البكالوريس، حائرة أمام كتب الفيزياء والكيمياء لأبنها في الصف التاسع. وتقول أن القوانين التي لا يستفيد منها ابنها في حياته الدراسية أو العملية فيما بعد، تضع حواجز بين ابني والمنهاج. وتضيف "حشو رأس الطالب بمعلومات قديمة، في ظل التطور الهائل بمختلف أنواع العلوم، وتحفيظه نظريات وقوانين لن يستفيد منها أو يطبقها إلا في الامتحان، كرهت ابني بالمواد العلمية".
وتؤكد أم أسامة، التي درست الفرع العلمي قبل 23 عاما، أن القوانين والنظريات التي تدرسها لابنها هي ذاتها التي درستها في الثانوية العامة، مع اختلاف في الرسوم والألوان، وبنفس المحتوى. وتسأل عن جدوى هذه المواد في ظل القفزة الهائلة في التكنولوجيا والثورة الرقمية، وتوفر المعلومات في كل مكان تقريبا، وإمكانية العودة إليها في أي وقت، دون الحاجة لحفظها، مع إغفال المناهج لتحفيز الطلبة عبر أسئلة فكّر أو اكتشف! واليوم، تتيح محركات البحث العالمية، كما هائلا من المعلومات وبمختلف اللغات، فضلا عن انتشار التكنولوجيا والهواتف الذكية وتوفرها في أيادي الطلاب قبل أولوياء الأمور. ويرى التربوي السابق، أبو عون، أن محتوى المناهج في الأردن، لا تواكب التطور في التعليم على مستوى العالم، الذي يركز على تحفيز الطالب على التفكير وإيجاد الحلول.
ويقول إن محتوى المناهج كبير وقديم، حيث يتم إعطاء المادة حقها في بداية العام الدراسي، ثم لا تلبث المدارس "تسلق" – حسب وصفه – المنهاج لضمان إنهائه قبل انتهاء الفصل أو العام الدراسي. ويضيف أبو عون أن تطوير أسلوب المعلم وطريقة تقديمه الدرس، قد لا يشعر الطالب بالملل أو بالكره تجاه مادة معينة، لكن ذلك لا يكفي، حيث أن هناك العديد من الحشو الزائد في المواد، والتكرار، ما يستدعي ضرورة تطوير المناهج، من خلال جهة مركزية، تحت جناح وزارة التربية والتعليم، تؤسس لمستقبل أفضل في تدريس الطلبة، وإكسابهم بالمهارات اللازمة للالتحاق بالجامعة ومن بعدها بسوق العمل. ويستشهد أبو عون في ابنته، التي أنهت الثانوية العامة بتفوق على مستوى الأردن، ويقول "أسألها ابنتي لين التي تفوقت في الثانوية العامة حول مدى استفادتها من المناهج في الجامعة، فتجيب باستثناء اللغة العربية واللغة الإنجليزية، والحاسوب، لا أذكر أنني استفدت شيئا من المعلومات التي وضعتني في المرتبة الرابعة على مستوى المملكة". ويقول "من المؤسف أن يشعر طالب متفوق أن المعلومات التي تلقاها في مراحله الدراسية المتفرقة لا تعدو عن كونها متطلبا للنجاح والدخول في الجامعة، بعد اثني عشر عاما من الجهد والكد على مقاعد الدراسة المدرسية".
وأعن وزير التربية والتعليم الدكتور عمر الرزاز في وقت سابق من الشهر الماضي على إنشاء مركز ووطني لتطوير المناهج، في ظل تدني نتائج طلبتنا في الامتحانات الدولية والمحلية، كالتوجهات الدولية في دراسة الرياضيات والعلوم ( TIMSS )والبرنامج الدولي لتقييم الطلبة ( PISA ) ودراسة تقييم القراءة والرياضيات للصفوف الاولى وامتحان الثانوية العامة، نتيجة لضعف المناهج وتركيزها على التذكر والحفظ وليس على مهارات التفكير النقدي والفهم التفاعلي والتحليل وحل المشكلات في الكتب المدرسية.
وحسب مسودة نظام المركز الوطني لتطوير المناهج، "ينشأ في الأردن مركزا مستقلا يسمى (المركز الوطني لتطوير المناهج) يتمتع باستقلال مالي وإداري"، ويكون للمركز مجلس يسمى "المجلس الأعلى للمركز" يُعيّن ويقال وتقبل استقالته، بإرادة ملكية، بناء على تنسيب رئيس الوزراء.
ويضم المجلس الأعلى للمركز، ثلاثة ذوات يكون أحدهم رئيسا للمجلس بنص الإرادة الملكية، ويكون تعيينهم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. كما يضم عضوية كل من، وزير التربية والتعليم، ووزير الأوقاف، ووزير التعليم العالي، ورئيس مجمع اللغة العربية، ومفتي الأردن، إضافة إلى نقيب المعلمين. وتشمل مهام المركز مراجعة وتطوير الإطار العام للمناهج والتقويم ابتداءً من مرحلة الطفولة المبكرة وحتى الصف الثاني عشر، وتطوير مؤشرات الأداء الرئيسية للمناهج وإجراءات التقييم والتقويم مع التركيز على النتاجات التعليمية للطلبة لكل مرحلة دراسية، وتطوير الكتب المدرسية والمواد التعليمية وأدلة المعلمين لتكون على مستوىً عالٍ من الجودة، والتأكد من شمول الكتب المدرسية والمواد التعلمية وأدلة المعلم التي طورها مزودو الخدمات على الملاحظات والآراء المقدمة الى ادارة المناهج من مديريات التربية و التعليم و المؤسسات التعليمية، إلى جانب إعداد برنامج تدريب للمعلمين لضمان حصول المعلمين على التدريب المناسب لتطبيق المنهاج بما فيها المواد التعليمية وإجراءات التقييم والتقويم، وتطوير الاختبارات وامتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة، وأي تقييم مستحدث من خلال التعاقد مع خبراء مؤهلين ومتخصصين في المناهج والتقويم ضمن الإطار الوطني لاقرارها من مجلس الامتحان العام، ورصد وتقييم تطبيق الإطار العام للمناهج والتقويم في المؤسسات التعليمية، ومراجعة دورية للمناهج التي تشمل اجراءات التقييم والتقويم، والكتب المدرسية، والمواد التعليمية وأدلة المعلم، وإعداد الطرق الفنية المناسبة لتجريب ما يتم تطويره من كتب مدرسية وغيرها بما لا يُعطل العملية التعليمية، وإجراء تحليل للبيانات الخاصة بأداء الطالب في التقويمات المختلفة بما ينعكس على تطوير المناهج وإجراءات التقييم والتقوي، وتزويد إدارة المناهج والكتب المدرسية في الوزارة بقوائم لكتب ومراجع ودوريات يمكن الاستفادة منها لإثراء المكتبات المدرسية.